المشاركات

قطرة دم

صورة
مشى قاصداً بنك الدم في مستشفى الجامعة، كان يرى نفسه ناسكا في رحلة حج، يلبس الإحرام، يقوده الإيمان بمنح الأرواح المُنهكة حقها في الحياة بعيدا عن تفسيرات الفلسفة، والعقل، والمنطق؛ فالعشق يُسَيرُ الإنسان نحو العطاء، ولا يحتاج لتبريرات وتفسيرات . دخل لبنك الدم، ووجد ممرضة تعامله بآلية : - انتظر هنا ... اقرأ هذي الورقة ... عبئ هذه الاستبانة ... هل تشتكي من أي مرض؟ ! - لا - هل تناولت إفطارك وغداءك ؟ ! - نعم (يكذب متساهلا) . - جيد ... سأقيس ضغط الدم ... جميل، يمكنك الآن التبرع بالدم . أ خذ جرعة المُخدر، ثم تم توصيل أنبوب في عرق يده اليسرى ليسيل النزيف من خلاله إلى الكيس... الوضع مستقر لعدة دقائق، ثم بدأ يشعر بدوار خفيف... وفجأة... غاب عنهم كما غابت أطلنتس في قاع المحيط، لم يغفر لها مَعبَدُها المُمَجد لإله البحر من الغرق... سَقطَ في الفراغ بجسده المُتصلب. ارتحل بعيداً، بعيدا جداً... لم يرى شيئاً أمامه. يُبصر البياض حين يفتح عيناه، ويكسو بصره السواد إذا أغلقها. تجلت أمامه الثنائيات بدون الملائكة والشياطين . نطق بتعجب: "لا أرى شيئاً". تنتبه الممرضة لجملته ...

أنتَ، وعام جديد

صورة
مرت سنة، كُنت خلالها أنت بطل حياتك فيها، أو اخترت دوراً ثانوياً فيها... لا يهم، هناك ما يكفي من السنوات أمامك، حاول أن تنتزع حقك منها، وعشها بكل تفاصيلها المؤلمة والحزينة، المرحة والسعيدة. يجب على المشاهد القادمة أن تكون أكثر جمالاً مما سبقها، لم تعد مراهقاً، ومسؤولياتك –مهما كثرت وتكاثرت-خفيفة اليوم... كخفة ورقة تتوالى عليها الكلمات من قلم القدر الذي تمسك به، محاولاً أن تجره كما تريد بيديك المشلولتين أحيانا، والحرة أحيان أخرى، فعلى الله أن يغير سُنن لعبتك المُفضلة في المرحلة الابتدائية "انسان، جماد، حيوان، بلاد" لتختار كلماتك، أو أن تُغير أنت ظروفاً -أنت تملكها-. توالي الكلمات يَخلُق لك الحاجة لصفحات أكثر، وأكثر، ثم أكثر... حتى تصبُح كتيبا، وكتاباً، ثم مجلدات تضطر لحملها أينما ذهبت، فاجعل حروفها تنساب زلالاً على عين القارئ –أنت-، واعتمد على كل فصل لجعل القادم أكثر جمالاً ... ولا تجعل ظهرك ينثني لمجلد تتكرر صفحاته وأحداثه. السماء لم تزل مكانها، وكلما كبرت يعلو المستحيل، وترى سماءك تبتعدُ عنك، يَلبسُكَ الشعور بعدم حدوث شيء مهم، فتعود للنوم، ثم تستيقظ على صوت اسعا...

هُدهُد

صورة
اتذكرُ جيداً ذلك الصباح الذي وقفنا فيه ننتظر باصاً قديماً، يَتوسطه خطٌ أخضر، ويقوده رجلٌ طاعنٌ في السن لا يتوقف عن التدخين. الشتاء يُرجفُنا برداً، وبُخارُ زفيرنا يتحول لذرات ماء تظهر على صورة سحابة أو ضباب من الفم . حَطَ هُدهدٌ أمامنا، رقبته ذهبيةٌ كخيوط الشمس، وجسده مخطط بالأبيض والأسود، يحملُ تاجاً ذهبياً... لم تتردد أن تُشير إليه بفرح وأنت تُقسم بالله: "التاج هذا مصحف، شفته يقرأ قرآن ذاك اليوم". صِغرِي لم يغفر لك كِذبتَك، نظرتُ لك باندهاش، وبسمةٍ من تهكم لم يفهمها عُمرك... وربما فهمتَها ولكنك فضلتَ الحفاظ على ماء وجهك . ********************* اليوم، أرى هدهداً وأنا في طريقي للمسجد، يحملُ فوق رأسه مصحفاً -كأي واحد منا-، وكأن لكل هدهد مصحفه الخاص، وحقيقته الخاصة التي يُريد .

ذاكرة سمكة

صورة
أقفُ الآن في الحديقة بجانب البحيرة، عليها لافتة باسم "حديقة العلوم"، ويسميها الطلاب حديقة العشاق، إلا أنها مكان لعزلةِ جميع أولئك المعتادين على المشي للأماكن الخالية. العشاق، والباحثون عن العشق جزء منهم، وبعضهم الآخر يعتقدون بأنهم لا يستحقون الحب حتى من أصدقائهم. يُضاف عليهم المشائين في الطرقات لمحاولة نسيان قطعة صغيرة من الماضي تضغط على صدورهم، وحياتهم . حقيبتي كعادتها، على ظهري، وفي يدي كيس بسكويت وعلبةُ حليب، وبداخلي شعورٌ كبير بالحرية المؤقتة قبل بداية جدولي اليومي. على الكرسي الذي على يميني فتاة تتكلم في هاتفها النقال، ويقابلني على الضفة الأخرى من البركة كرسيٌ مهجور، ورصيفٌ لا يفرغُ من المارة، فهو الممر بين الجزء الغربي من الجامعة وعدد من السكنات الداخلية للفتيات. على اليسار شابٌ يسرحُ بنظره في البركة الراكدة، راهنتُ البركة بنصفِ كيس البسكويت بأن الشاب قادرٌ أن يحرك شيئاً ما داخل البركة –أي شيء-بحدة نظره، أمعنتُ النظر في البركة آملاً بأن ألحظَ أي حركةٍ غير طبيعية فيها. فجأة، يحدثُ اضطراباً للماء بالقرب من الضفة التي أجلسُ عليها، أرجعُ ببصري للشاب لأجدهُ قد بارحَ ...

رصاصة

قُبيل الفجر والله تجلى من شُباكِ شُرفتِنا كان الزنادُ تحتَ سبابتي لكنني .. لم أُطلق رصاصةً فهذا الليلُ يجري وحدَه والموتُ لا يحتاجُني تركت حبيبتي عند قرآنٍ على لحنِ الصَبا يُتلى كانت تلكَ البداية وما بعدها إعادة كُنتُ مشهوداً لا شاهداً لا فجرَ بعد موتي تَجلى وكأن الأرضَ شُقت والسَماءُ في بطنها أدبرت فصرتُ بما كسبَ الزمانُ رهينة أخوضُ في نفسي مع الخائضين عَبستَ يا قلبُ من فجرٍ تَولى لم تَجِد فيه غيرَ الصَبا وروائحَ الذكرى وشمساً تُصارعُ الميلادَ -غداً تَعسَر -

عزيزتي أُختي

صورة
عزيزتي جنان .. أكتب لك وأنا بعيدٌ عنك، وأنتِ طفلة صغيرة لم تتجاوز سنتها الثالثة لتتهجأ هذه الرسالة ... أتجه الآن لغرفة النوم من دون أن أجرُ أيُ أحد إليها لينام معي، المكان هادئ، ومُرتب بصورة مُريبة. طالما شعرت بأني ابن الفوضى في هذا الكون، وكذلك يجب أن تكون غرفتي، ولكن صديقي في الغرفة يرفض فوضاي، ودائماً ما يحاول اجباري على اتباع ارشادات تضمن نظام الغرفة. لقد رتب هذا "المُنظَم" الغرفة، وتركَها ليعود وينام في بيته -حيثُ أمه وجنة دنياه -. أطفأتُ الضوء، وتوجهت للسرير، لم أجد صعوبة للوصول إليه بسبب خلو الأرض من كل شيء عدا سريرين في زاوية الغرفة، صعدتُ السرير برجلي اليمنى وقلت: "يا أناي، إني أسألُك صُحبتَك" ... ذكرت نفسي لأنني أشعر أحيانا بحضرة أحدهم معي في الغرفة الخالية من الأصدقاء، أحسُ بوجود "أنا الآخر" تحت السرير، أو في 'الكبت'. وأظلُ كذلك حتى أتوحد مع ذلك الآخر في جسدي، وبعد ذلك يحتلني الشعور بأنني مُسجى ووحيد في هذه الغرفة الواسعة. الظلام يُحيط بي وكأنني في فراغ ممتد لا نقطة نور لنهايته، ولا يدٌ يسرى صغيرة لتلتف على رقبني، وتنتشلني من هذا...

فراغ

صورة
ولدت البشرية في أحضان وجودٍ سَلَمنا له أمرنا، وغمرنا السلام معه لأن أحداً لم يرى نهايته حتى الآن، واتخذنا منه زاوية لبناء المُدن ومستعمراتنا، وقبل بضع مئات من السنين كنا نعتقد بأن الانسان هو مركز الكون، وكل شيء يدور حولنا، أي أننا المُطلق، وما دوننا هو النسبي، حتى بَدت لنا سوءتنا بالعلم الحديث، وثَبت أننا لسنا أكثر من حبة رملٍ تسبحُ في الفراغ. وداخل هذا الحيز الموجود -في الفراغ- تفرقت البشر لدول وقبائل وقرى وعوائل وأفراد، وبسبب هذا التقسيم خَلقنا فطرة في ذواتنا وهي تصنيف الأشياء الموجودة بأشكالها وصفاتها وملمسها، وأصبحنا عاجزين عن لمس ما لا نستطيع تصنيفه وفق المنظومة التي أوجدناها –لأنها الوجود-.. مثلا إذا كنت في حديقة الجامعة، وبدى لي مخلوق غريب، يشبه البشر لكنه أقرب لمخلوقات هوليهوود الفضائية، مخلوق يفتح فمه ولا يغلقه إلا عندما ينطق حرف الباء أو الميم أو الفاء في مجتمع شبيه بمجتمعنا نغلق فمنا ولا نفتحه إلا عندما ننطق باقي الحروف. يختلف هذا المخلوق معنا في عادة سائدة، وعامة، ومن الطبيعي أن نوجد له تصنيف مختلف عن المجموعات المتعارفة معنا، ونضعه فيها –لأنه صار موجوداً-، وغالبا ما ...