الخميس، 24 أغسطس، 2017

متاهة (قصة قصيرة)

"- لو سمحت، هل بإمكانك أن تدلني على طريق الإنصراف من هنا؟!
-هذا يعتمد بالدرجة الأولى على المكان الذي تريدين الذهاب إليه
- لا أهتم كثيرا إلى أين أريد
- إذن لا يهم الطريق الذي تسلكين".
أليس في بلاد العجائب، الفصل السادس.
--------------------------------------
أمام بيوت قديمة كثيرة، أمسى لون خشبها غامقاً، تطل على مساحة مفروشة بالعشب، ومن ورائها أحراش مليئة بالأشجار؛ نصحها أبوها بأن تكتفي باللعب بطائرتها الورقية على مساحات العشب، وأن تبتعد عن الأحراش؛ فكل من ذهبوا إلى الأحراش لم يعودوا، أو عادوا وهم فاقدين لعقولهم.
"في الحارة، حيث المساحة المفتوحة، تبدو الأشياء أكثر وضوحًا، أما هناك -في الأحراش- فكل شيء مبهم. لا يُعرف ما الذي يخبئه القدر لكِ خلف الشجرة القادمة". يقول لها أبوها.
أما أمها فلا تكف عن النظر لها من شرفة البيت أثناء لعبها، خاصةً بعد أن سألت زهرة أمها: "كيف يعرف أبي كل هذي الأشياء وهو لم يزر الأحراش أبدًا؟!".
تمتلك زهرة جمالًا طفوليا يجعل الآخرين يتجولون في زوايا لم يعرفوها قط من أنفسهم. كل من ينظر لها أول مرة يشعر بما يشبه أول السقوط، حيث يشعر الواقف بأن قلبه يطير من مكانه صاعدا نحو عقله. أنفها طويل بصورة مثالية، وعيناها داكنتان يحيط بهما بياض ساطع.
في عصر يومٍ خريفي، اشتدت رياحه، خرجت زهرة تلعب بطائرة ورقية صنعها أبوها، تركض بخفة جسدها على تلة بين الحارة والأحراش، وفي مكان لعبها قابلت أصيل. أصيل ولد مشاغب. منذ أول خروج له من المنزل ليدرس في حلقة شيخ الحارة. مَثَل بأنه أعمى بعد أن وضع نظارة جده الشمسية على وجهه ليوم كامل في حلقة التعليم؛ ليُضرب بعد ما اكتشفه الشيخ بعصا الخيزران على رجله، ثم قام بتغيير كتاب يشرح نصًا منزلا عندما رفع نقطة الباء فوق كرسيها في كلمة خبث، وأخيرا هرب من دروس شيخ الحارة الدينية ليسبح في الفلج... زهرة لا تعرف شيئا عن أصيل سوى ما يروى بين الناس حول سوء سلوكه، ونشاطه الدائم في المقالب.
"أنا أفضل ولد يطير طائرات ورقية في الحارة"، يقول أصيل وهو يمر بجانب زهرة.
تتوقف زهرة عن ركضها وتقول: "ماذا؟!!!! لم يتجاوز أحد ارتفاع طائرتي حتى اليوم!!".
"أنا لا أملك طائرة، هل تعيرينني طائرتك لأثبت لك أنني الأفضل؟!"، يجيبها أصيل بابتسامة بائسة.
تحدق زهرة في عيني أصيل بعطف، ثم تتحمس بمجرد أن تتذكر كلامه، وتسلمه خيط طائرتها المحلقة عاليا. يمسكه بسبابته وابهامه، ثم يتركه بابتسامة خبيثة ... ثارت زهرة غضبا: "قليل الأدب! تركت الخيط متعمدا!".
كانت نظرة زهرة حادةً جدًا، وسواد عينيها غارق في الغضب، يتدفق منها الإصرار على شيء ما يجهله أصيل. للمرة الأولى في حياة أصيل تستطيع نظرة أن تثقب سد ثقته بذاته، أحسَّ أصيل بالغرابة من الشعور الذي راوده بعد نظراتها، وحاول بابتسامة مصطنعة أن يخبئ خوفه من شعوره الغريب، ثم ركض خلف الطائرة المتوجهة جهة الأحراش وهو يقول: "سأعيدها لك، أعدك".
تلوح زهرة بيدها وتصرخ: "دعها، دعها، سيصنع لي أبي واحدةً أخرى".
يختفي أصيل خلف أشجار الأحراش، وزهرة واقفة تعض شفتها، وتشبك أصابع يديها ببعضها، ثم تفكها بسرعة... استمرت هكذا لبضع دقائق قبل أن تجلس على حجر بين العشب، وقدماها تهتزان بتوتر.
قاربت الشمس على الغروب، والمجنون أصيل لم يعد حتى الآن، هل ما زال يبحث عن الطائرة؟ أو ربما أكلته وحوش الأحراش؟! وما الذي ستفعله الآن؟ هل تخبر أباها الذي لا يستمع كثيرا لوجهة نظرها أنها سمحت لنفسها بالحديث إلى مجنون؟! أم تلحق بأصيل ؟!
بحركةٍ منفعلة، تركض زهرة باتجاه الأحراش، تقف على مشارفها وتنادي: "أصيل!"، تجيبها الأحراش بصدى صوتها: "أصيل!"... يتنامى الخوف بقلبها حتى ما سمعت عدة أصوات متتالية تجيبها: "زهرة". هذا صوت أصيل، لكنه مكرر سبعة أو ثمانية مرات متتالية!
تطمئن بصوته، ثم تمشي في الأحراش. الأرض مليئة بعروق الأشجار الكبيرة، وأوراق الشجر والأغصان تحجب السماء تماما، الوقت هنا متأخر أكثر من الحارة؛ فلا يمكن لأي شخص تمييز مكان الشمس، أو أي جرم سماوي، أصوات صراصير الليل تأتي من فوق، وتحت، ومن الاتجاهات الأربعة!
تنادي أصيل عدة مرات، ويعود لها صوتها من كل الجهات، "زهرة" يرد أصيل ولكن صوته يأتي من مختلف الجهات!
بعد دقائق من المناداة المتبادلة تلاحظ زهرة أن صوت أصيل الأول يأتي من يمينها، ثم تتوالى باقي الأصوات بعدها. تمشي باتجاه مصدر الصوت الأول، تجد أصيل ممسكًا بطائرتها وهو يبحث عن طريق ما.
"آه زهرة، أخيرًا... هل تعرفين طريق العودة؟!" يبادر أصيل بالكلام.
"نعم، من هنا"، تقول زهرة وهي تشير خلفها.
يمشي أصيل خلف زهرة وهي تخبره بخوف عن كلام أبيها حول الأحراش، وأقدارها المختبئة خلف الأشجار، والوحوش الأسطورية، تحدثت عن تنين ينفث النار من فمه، وأفعى لها ثمان رؤوس تتجول فوق الأشجار تنتظر فريستها.
يخيم ظلام كثيف، وهما لم يصلا بعد لمساحة العشب.
"حل الظلام، أظننا سنتوه أكثر... يجب أن نقف هنا" يقول أصيل.
زهرة: "لا، يجب أن نتابع المشي، لا يمكن لأي انسان مواجهة الأحراش ليلة واحدة!"
يمسك أصيل يد زهرة: "كل شيء سيكون بخير، صدقيني". تهدأ زهرة ثم يقرران النوم على جذر شجرة كبير تسلل خارج الأرض. شخير أصيل يعلو بعد خمس دقائق من وضع رأسه، ورأس زهرة محشور بصوت صرصار الليل، وشخير أصيل.
بعد ساعة تضع زهرة يدها على كتف أصيل، وتضربه برفق: "أصيل! أصيل!".
يفتح أصيل عينيه ويرفع رأسه قليلا: "هاه! ما بكِ يا زهرة؟!".
تجيبه: "الوحوش يا أصيل، أسمع صوت وحش في الأحراش".
يجلس أصيل ويقول: "ماذا؟! وحوش؟! هل رأيت كوابيس؟! لا يوجد هنا سوى الأشجار وصرصار الليل".
ترد زهرة: "صرصار الليل، ربما يكون صرصارا عملاقًا، صراصير الليل مختلفة في الأحراش... هل ترى أشجار الأحراش؟ هي أيضا مختلفة عن أشجار بيوتنا، هيا يا أصيل يجب أن نتابع الطريق".
 يضحك أصيل، ويجيب: "ماذا؟ استيقظي يا زهرة، انتِ نائمة وترين كوابيسًا سيئة، تقولين صرصارا كبيرا وكأننا في حكايات جدتي".
تغضب زهرة: "أنت أحمق، لا تعرف شيئا عن الأحراش، وتأخذ الأمور باستهتار!".
يجيب أصيل بنبرة هادئة: "استهتار! نعم ربما أنا كذلك، لكن الخوف لن ينقذ أحدا من الأحراش، أنتِ تظنين بأنكِ كنتِ تقوديني نحو الحارة قبيل الظلام، ولكني أعرف جيدا كل الطرق التي مررنا بها، كنا ندور في حلقة، مررت بهذا الطريق عدة مرات قبل قدومك، والآن أطوف معك حوله... من الأفضل لنا أن نرتاح قليلا يا زهرة، وفي الصباح سنبحث عن مخرج يرمينا خارج الأشجار العملاقة".
تهدأ زهرة: "تقصد أننا ندور في نفس المكان؟!".
يشيح أصيل بنظره إلى السماء ويجيب: "نعم يا زهرة"... ينظر إلى عينيها ثم يتابع: "طوال حياتي وأنا أدور حول القرية، حفظت شوارعها كلها عن ظهر قلب... سبلة الشيخ سعيد، ومكان كل طالب فيها، الدروس التي يرددها الشيخ لكل طلابه سنويا، أباك يطوف في الحارة مع حقيبته المليئة بأرقام النقود، الدكاكين، حتى السباب الذي أتلقاه نتيجة مقالبي، حفظتُ كل شيء... والآن، أنا تائه في هذي الأحراش".
ترتمي زهرة على ظهرها بقوة، وتضرب مؤخرة رأسها بالأرض، يضع أصيل يده على جبهتها ثم ينام. أصيل لا يشخر هذه المرة؛ لأنه يفكر في الغد الجديد. أما زهرة فنامت وهي تشعر بأنها تطفو على جزيرة بحجم جسدها، ويحيط بها بحر عظيم من اليأس.
يتسلل نور خفيف بين الأشجار. "لعلها ساعة الصباح الأولى"، يقول أصيل وهو يربت على كتف زهرة. تستيقظ زهرة وتمسك بيد أصيل، ثم تلفها حول عنقها، وتنام على صدره.
"كنت أشعر بأنني أسقط في بئر عميق لا قاع له، طوال الليل وأنا أسقط يا أصيل... لم يكن هناك قاع".
"هيا بنا ندور حول هذي الأحراش"، يجيبها أصيل.

الجمعة، 9 ديسمبر، 2016

وشاية المدرسة

لا يكاد أحد الطلاب يخطط لمقلب ما، حتى ما يتم استدعاؤه إلى مكتب المدير وتوبيخه. كيف يتم هذا في ظل نظام مراهقاتي طورناه خلال سنوات دراسية طويلة في المدرسة.
أذكر ذات مرةٍ أنني قمت بكسر لوحة فنية معلقة على أحد ممرات المدرسة، لم يلاحظ هذا سوى طالب ساذج وضخم يسمى أحمد، قمت بالجلوس معه وإفهامه أن حديثه عما رآه أمام أحدهم قد يورطني مع الإدارة، وأنا الطالب الذي لم تتلطخ سمعته حتى الآن مع أي إداري في المدرسة.
بعد أربع حصص تفاجأت بباص منطقتهم المتكدس بما يزيد عن ثلاثين طالبا يصرخون عليّ: "عرفناك أنت كاسر اللوحة". في اليوم التالي دفع الصف القريب من اللوحة عشرين ريالا [نصف ريال على كل طالب] كغرامة مالية على كسر اللوحة... حدث كل هذا دون أن ينبس أي أحد بأني من كسر اللوحة.


كان حسونة هو أول المخبرين المتطوعين للإبلاغ عن الخطط المشاغبة في الصف، وتوسعت أعماله بعد ذلك لتشمل المدرسة ككل. حسونة هذا طالبٌ فاشل في جذب انتباه الطلاب، ولم يحقق أي أصوات تذكر في كل الانتخابات الصفية والنشاطية في المدرسة. فشل في أن يكون رئيس الصف، وفشل في تحصيل منصب في جماعات الإذاعة المدرسية والفنون والادارة الطلابية والنادي العلمي. بعد أسابيع من بدء العام الدراسي استطاع حسونة انتزاع منصب الطّبّال في عزف النشيد السلطاني لمدة ثلاث أيام؛ بسبب حمى أصابت الطّبّال موسى.
لم يتقبل حسونة نبأ عودة موسى للتطبيل كل طابور صباح، ففكر في طريقة يستطيع بها أن يتخلص من موسى، وفي يوم ما وقعت عين حسونة على موسى وهو يضرب طالبًا أصغر منه سنًا، فطار حسونة بسرعته إلى مكتب المدير للتبليغ عن الحادث.
تم استدعاء موسى وفصله لمدة يومين، وبهذا قرع حسونة الطبول لمدة يومين فرحًا بفصل موسى.
استمر الوضع على حالته، وحسونة يرقص على حبل الوشاية للتخلص من كل طلاب المدرسة، واختطاف كل الاهتمام من إدارة المدرسة ومدرسيها، إلى أن أتى اليوم الذي اجتمع فيه الصف وقرر مضايقة حسونة. تسببنا في أن يتنمر عليه كل شيء، حتى قطة المدرسة بالت فوق كتبه عندما كان ينتظر الباص.


ملاحظة: انقطعت جميع أخبار حسونة بعد قصة القطة.

الثلاثاء، 22 نوفمبر، 2016

أصابع قصيرة

مثقل بالنعاس والكسل. فتحتُ عينيّ بعدما رنَّ المنبه لنصف ساعة متقطعة. معدتي تصرخ وتبحث عن شيء ليسكت العصافير الغاضبة بداخلها، وشفتاي جافتان كصحراءٍ لم ترى سحابة منذ عقود. ما زلت بثياب سهرة البارحة -جينز وقميص أصفر-، ويمتدُ مني لونٌ أحمر لزق... نعم، إنه دمي!
قصدتُ الحمام لأنقع ثيابي في دلو من الماء وأنظف أسناني؛ فطعمُ لعابي حامض بسبب نومي الذي داهمني دون أن أغسل أسناني أو أبدل ثيابي. كانت ليلة كئيبة، قضيت أغلبها خارج المنزل. بَدَأَتْ مع غروب الشمس حين أرسلت لي حبيبتي: "لا أُحب الأصابع القصيرة".
لم تشعر المجنونة بحجم النار المشتعلة بكلماتها الثلاث، ولم أرد على رسالتها. نظرتُ لأصابعي، ثم لبستُ الجينز وقميصي الأصفر وخرجت من شقتي.
مشيتُ على غير هدى، لا أرى سوى أضواء الشوارع والأرصفة... حتى تذكرت الناس، رفعت نظري، فرأيت الناس في سوق الخوض يمشون وكأنهم عميان بفمٍ مفتوح على آخره، رائحة السوق تشبه إلى حد كبير رائحة تعفن ثلاجة غرفتي بعد إجازة دامت ثلاثة أشهر... مرضى، جميعهم بلا استثناء.
بدأ الجميع بالزحف نحوي فور رؤيتهم لي، عظامهم تصدر صوتًا عند حركتهم كصوت بابٍ في بيتٍ قديم مهجور، رافعين أياديهم نحوي، ويصدرون صوت آهات جافة تستنجدُ بدمي ولحمي... وكأنهم يرون فيَّ آخر محاولة يائسة للبقاء على قيد الحياة.
ركضتُ بكل قوتي بعيداً عن السوق، المَرض كان خلفي، يطاردني، وكأنه يبحث عني أنا فقط. لم أتوقع أن أرى نفسي مريضاً، أبداً... كنتُ محافظاً على صحتي، جدولي الغذائي، والرياضي... لا يمكن لهذا لمرض المعدي هذا أن يصلني.
ركضتُ ساعة في الليل، لم أجد في طريقي سوى الخوف نفسه، ومسافةٌ زمنية قصيرة جدا بين أعمدة الإنارة، جريت بكل سرعتي حتى رميت نفسي تحت شجرة (ملكة ليل) تَتكئ على جدار فلة صغيرة... توقفت لوهلة أتجرع هواء الليل البارد الممزوج برائحة الشجرة، وأزفر دفئًا يشبه حرارة الروح... مسكت جذع الشجرة الصغير ومددت بصري للأعلى، رأيت الشجرة تتسلق الجدار نحو السماء؛ ما دفعني للشعور بأنني متمسك بالسماء، أو أعانقها.
بعد وهلة، سمعت قهقهة فتاة قريبة، أدرتُ وجهي شطر مصدر الصوت، فتاةٌ جميلة تضحك ويدها على فمها. والأهم أنها فتاة طبيعية، تمتلك فمًا يُغلق وينفتح، ولها يدان تتحركان برقة مع ضحكتها، ربما هي مثلي، لم تصب بالمرض بعد.
"لماذا تمسك بالشجرة وكأنها قشة ستنقذك من البحر؟". تسألني.
أجبت: "ماذا؟؟ متمسك بقشة؟ شجرة؟ لا... لا شيء! لكن كيف مَرَضَ كل هؤلاء الناس؟!".
ترد ضاحكة: "ما بك؟"... تكتم ضحكتها وتتسع عيناها استغرابا، ثم تتابع: " لم أسمع عن أي مرض".
"اذهبي للسوق سترين عن أي مرض أتحدث، انه ينتشر بين الناس كحبرٍ انسكب في اناء".
تردُ ضاحكة: "هل أنت مجنون؟ ربما أستطيع معالجتك، فقد سبقَ لي أن نشرت ورقة بحثية حول سلوك إنساني يشبه حالتك... اقترب مني وتحدث".
"بشرط واحد".
"ما هو".
"أن نتحدث في مكان لا يرانا فيه أحد... أنا خائف".
"حسنا، ادخل معي للبيت".
اجتاحني الفضول والخوف في لحظة واحدة، كيف لفتاة أن تدعوك ببساطة إلى ڤلتها، خفت لوهلة أن تكون متآمرة لنقل المرض اللعين إلىَّ؛ فلماذا هي الطبيعية الوحيدة من بين كل هؤلاء... تبعتها وجلستُ معها في الصالة.
الشاي الأخضر بالنعناع وكوب من المكسرات على الطاولة –تماماً كما أحب-، وعلى الجدار المقابل لوحة (مذبحة الأبرياء) لبيتر بول غير أن المرض يبدو على الأطفال الضحايا بعكس اللوحة الأصلية، أجسادهم ذابلة كورود منسية في الصحراء، وتفاصيل عروق أيديهم بارزة وواضحة، لقد أهلكهم المرض وجنود هيرودس يحاولون التخلص من هذا المرض... اللعنة على مرض يتخلص منه الطاغية بقتل الأطفال.
دفعتُ بكرسيّ إلى الوراء بحركة مُفاجأة، قامت من مكانها ومسكت يدي:
"اهدأ، اهدأ ... ما بك".
"لا، لا شيء".
"الآن، أخبرني ما بك".
"لا شيء، لا شيء سوى الخوف من المرض".
"تحدث، الآن، سأجدُ حلاً لخوفك، أعدك".
بدأت أتحدث بشراهة، وهي لم تُفلت يديّ قط، الأمر الذي يدعوني للتحدث، والتحدث... كنتُ أشعر بأن لو كان شعوري في جدار أو حصاة صماء لنطقت، وتحدثت بكل ما بها...
بعد ذلك ضغطت على يدي، وقالت: "حسناً، أصابعي طويلة، خذ أصابعي وأعطني أصابعك".
نزعت أصابع يدها اليسرى ثم أخذت يدي اليسرى وخلعت أصابعي منها، كان شعور نزع الأصابع أشبه بخلع سن من مكانه... ثم زرعت أصابعها اليسرى مكان أصابعي، وكذلك فعلت باليمنى بعد ذلك.
أصبحتُ الآن أملكُ أصابعاً طويلة، لا أدري كيف بعث الله تلك الفتاة إليَّ... نظرتُ للوحة مرة أخرى، كانت لوحة بيتر بول الأصلية ... شربنا الشاي معاً ثم خرجت عائداً إلى شقتي، كل شيء طبيعي، السوق، الناس، حتى الهواء كان أخف من ذي قبل.
في الشقة، توجهت للمطبخ لأعد العشاء، وبدأتُ بتقطيع الخضار -هوايتي الأساسية في الطبخ-، تعودتُ على فعل هذا لدرجة المهارة، وبسرعة فائقة، وضعتُ الخس على طاولة التقطيع، مسكتها بيدي اليسرى، وبدأتُ أقطعه بسرعة... سال دمٌ غزير، قطعتُ جميع أصابع يدي اليسرى عدا الابهام !! عادت لحجمها الطبيعي! لم أتعود بأن أملك أصابعاً طويلة، ولم أضع لها أيَّ حساب لطولها أثناء تقطيعي للخضار.
غسلت يدي، ونظرت لأصابع يديّ غير متساوية غير المتساوية، أخذتُ السكين مرة أخرى، وقطعت أصابع يدي اليمنى وابهاميّ، ثم ذهبتُ للسرير، ونمت.

الجمعة، 21 أكتوبر، 2016

تعليق حول [النسبوية]

[1]
قرأت [النسبوية، التبرير  العاجز] للصديق محمد الشحي، وكنت دائما ما أصاب بصقعة ضحك عندما أرى أحدهم يرد على موضوع لصديقي بأنه [نسبي]. أعرف جيدا ذلك الشعور الذي يراود أحدهم عندما يُقال له: "استمعت لوجهة نظرك، ولا يهمني إن كنت قد فهمتك أو لا... والمهم أني أختلف معك؛ لأن الموضوع نسبي".
وتجريد مصطلح [النسبية] من ستائره هنا يُخرج لنا [نكتة قصدية عظيمة] في التعاطي مع القضايا والمواقف، ويُعري وجه المُتحدث [بثقافته وفكره ومعرفته]؛ ليظهر لنا بوجه المُهرج. وأنا أتفق تمامًا مع الشحي عندما تحدث بأن النسبية تم ركوبها، ومحورتها لتكون طريقة هروب من الحوار؛ فهم يرون النسبية كالتالي:
النسبية في عيون البعض.

[2]
قصة: يتحدث أحدهم عن عقوق الانسان في اليمن، وما تفعله قوات التحالف العربي فيه... يتحول الموضوع بطريقة ما إلى العقوق السوري والروسي لحقوق الإنسان؛ فيجيب صاحبنا: "الموضوع هنا نسبي".
تفسير: يجعل صاحبنا هنا قضايا [حقوق الإنسان] مسألة نسبية، قابلة للأخذ والرد حسب الزمان، والمكان، والتوجه، والزمكان النسبي هو الأساس الذي قامت عليه النظرية النسبية، وهناك عدد ثابت [سرعة الضوء] يخلق علاقة بين الزمان والمكان. إن اختلاف الناس هو في تناول هذا العدد الثابت [سرعة الضوء]؛ فـ [سرعة الضوء] قد تكون [المنهجية العلمية] أو [الأخلاق الإنسانية التي تكفل شيئا معينا]، أو [المذهب\الدين\العرق\القبيلة]. أي أن الثابت هو ما يتمسك به الشخص، ويبني عليه آراءه، وتوجهاته.

[3]
تنشأ المصيبة عندما يطرح طرفًا وجهة نظر مستندة على [منهجية علمية] محددة، ثم يأتي الطرف الثاني ويتناول وجهة النظر مستندا على [تعصبه المذهبي\الديني\العرقي\الوطني\الإعتباطي]. هنا تنشأ فجوة عملاقة بين طارح التوجه، والمتلقي.
فعلى سبيل المثال:
1-    تناول دكتورا بعض الشخصيات التاريخية العمانية من زاوية نقدية -اعتمد فيها على منهجية علمية-، ثم نشأت تيارات مهاجمة له من زاوية [مذهبية\قبلية].
2-    اختلاف الآراء حول تواجد الكويتي [شعيب راشد] في جلسة #الأمور_طيبة، خلق آراء مختلفة مستندة على ما يقدمه شعيب [إعلاميًا\فكريا\ثقافيا]، أو [نجاح شعيب في كسب جمهور واسع على شبكات التواصل الاجتماعي].

[4]

باختصار: هناك ضرورة لتحديد الأساسيات التي يستند عليها الحوار [الفكري\الثقافي]؛ فلا يمكن لأحد الحديث عن أن سعر كيلو الطماطم بـ400 بيسة في منشور يتحدث عن أسعار الوقود قد تتجاوز الـ200 بيسة خلال شهرين !!

السبت، 15 أكتوبر، 2016

رسالة: طريق اريام


صديقي، وبعد...

لم اهتم يومها بالمسافة الخاطئة التي قطعتها؛ فأنا دائما ما أترك لنفسي مجالًا للعودة. حدث ذات مرة أن بدأت المشي في ممشى مطرح الجبلي في وقت متأخر من العصر، ونتيجة حماسي أضعت اشارات طريق الممشى، وظللت أمشي حتى واجهت سدًا يبلغ ارتفاعه السبعة أمتار. الشمس غربت، وبدأ الظلام يزحف شيئًا فشيئًا، وكنت أمام خيارين:
1-    أن أتابع السير، وأشق طريقًا لا أعرف ملامحه في ظلام الليل.
2-    العودة من طريق أتذكر معالمه، ووعورته البسيطة، وتكون ذاكرتي هي النور التي تضيء طريقي.
مطرح، 30 أبريل 2015
قررت العودة؛ خاصةً بعد أن سمعت نباح الكلام. لم أتعامل يوما مع كلاب جبال مطرح، ولا أعرف نظام تعاطيها مع الغرباء. وصلت إلى ريام... تركتها مضاءةً بنور الشمس، وعدت إليها مضاءةً بنور الكهرباء.
القضية يا صديقي لا تتعلق بالعودة وحسب، يحصل أن نترك أنفسنا لأيام، ليال، أو شهور، ثم نعود إليها... لكننا نعود ونجدها قد اختلفت !!
لم يسبق لي أن تركت نفسي في مكان ما ثم عدت إليها كما كانت!
تركتها في باص التكسي تائهة، ثم وجدتها تبحث عن بطيخة في ستي سنتر.
تركتها في حديقة العلوم تقرأ ديوانًا، ثم وجدتها تبحث عن الحياة في البركة المائية الصغيرة.
تركتها في وظيفة، ووجدتها تحشر نفسها في وظيفة أخرى.

كما قلت لأحدهم مساء أمس، أن ثقتي فيك لا ترتبط بتصرفاتك بقدر ما أنني أثق بقلبك، أعرف أنك لا تستطيع أن تقصد أذية أحد، وأنك ترى في نفسك ما لا يراه الآخرون... أثق بأنك رجعت إلى نفسك، ولكنك تحتاج أن تتعرف عليها في وقت قصير، لكي تنجو معها في السفينة؛ فالطوفان لن يغير وقته.

تحياتي: صديقك الذي حاول الليلة كتابة قصة دون أن يقتل البطل في المشهد الأول.

الاثنين، 22 أغسطس، 2016

الخروج من عنق الجامعة

[كتبت هذي التدوينة قبل سنة تقريبًا من اليوم، وكانت قبل يومين من آخر اختبار لي بالجامعة في منتصف شهر أغسطس 2015]...

يومان يفصلاني عن الخروج من عنق الجامعة الحكومية الوحيدة في هذا البلد المُتَوحد من العالم... شحنت فجر اليوم الكثير أغلب أغراضي من الغرفة التي أقمتُ بها ست سنوات، غرفتي تبدو واسعة جدا لدرجة دفعتني لزراعة نجوم فسفورية على سقفها ... حَوَت الكثير من الأشياء المبعثرة وأرواح الموتى، ورائحة الأحياء: موركامي، كافكا، مريد البرغوثي، محمود درويش، إياد الحكمي، مظفر النواب، عبد الله ثابت، وطبعًا روحي الشريدة بينهم مع عدد آخر من الأرواح.
لا أستطيع الحزن على خروجي من هذا الكهف بعد ست سنوات من التحديق في جداره، فالمكان أصبح اليوم مليء بالوحشة...نسج العنكبوت شباكه حوله، وعشعشت حمامتان على نافذة الغرفة، وليس بيدي سوى كتاب ملعون يقول لي: [لا تحزن، إن كافكا معنا] !!
ربما حان وقت التخلص من ظلال الكهف، وتولية الوجه شطر نار الحقيقة، حيث يجتمع الأصدقاء حولَ النور، يتسامرون عما رأوا من ظلال وهم مقيدين جهة جدار الكهف... "كانت الظلال جميلة"، "هل تذكرون ظل سلمى؟"، "كان ظل خالد كئيب كشكله تمامًا"، "يحكى أن ظل سالم قد اختار قيدًا في كهف آخر"، "ظل ذلك الأحمق، كان لامعًا ككتابته المسروقة"، "الشاعر الذي لا يكف عن ذكر الرب صاحبُ ظل جميل"... سيظل بداخلنا حنين لتلك الظلال، وسيدوم الأصدقاء حولنا نتسامر عن الظلال والنار التي تجمعنا حولها.
شكرًا لكل أصدقائي، فأنتم أعظم هدية رمتني السماء نحوها... سنظل هنا، حول نور قنديل الرب المتوهج فينا... أحبكم جميعًا، لا أستثني أحدًا... سأذكركم، وأغزو مقاهيكم أو بيوتكم فاتحًا الذاكرة، وباحثا عن جديدكم.


السبت، 2 يوليو، 2016

التعليم المفتوح المصدر

يطلق التعلم المفتوح المصدر على عملية انتاج، ثم مشاركة المحتوى العلمي، وذلك من أجل تسهيل وصول جميع الأفراد للمعرفة بشتى أنواعها. وللوصول لهذا الهدف نحن بحاجة لإتاحة المحتوى التعليمي من قبل المؤسسات المنتجة للمعرفة مثل الجامعات والمعاهد والمراكز البحثية.
ويتيح محتوى التعليم مفتوح المصدر لغيره من المنتفعين حق تعديل المحتوى بما يتناسب مع طبيعة العرض، فمثلًا بإمكان بروفيسور في جامعة أمريكية نشر محتوى مقرر برخصة مفتوحة المصدر، ثم يأتي أستاذ جامعي عماني يضيف أو يعدل في هذا المحتوى ليدرسه في جامعة عمانية، وكل ما على هذا الأستاذ هو ذكر المصدر الرئيس لهذا المحتوى التعليمي. الأمر الذي يساهم في تسهيل عملية وصول المعرفة لأفراد أكثر.
وبالإيمان أن المعرفة حق للإنسان كما تشير المادة (26) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أصبح المحتوى المعرفي المفتوح المصدر ضرورة. خاصة في ظل تحول المعرفة إلى رأس مال تحاول بعض المؤسسات والدول احتكاره، ما ينتج على الضفة الأخرى مجتمعات جاهلة تضطر لتصدير مواردها الطبيعية، ثم إعادة استيرادها كمواد استهلاكية بمبالغ أغلى بكثير. 

#هامش :
منذ أيام دراستي الجامعية كنت أعتمد على موقع معهد {MIT} الأمريكي، والذي يعتبر من أفضل المعاهد المتخصصة في البحوث التكنولوجية على مستوى العالم، حيث حصل أكثر من 80 منتسب للمعهد على جائزة نوبل [*]، وتعتبر مهمة المعهد الأولى "تعزيز المعرفة والعلوم التكنولوجية بطريقة تخدم الأمة والعالم في القرن الواحد والعشرين"[*].
والجدير بالذكر أن معهد MIT قد أطلق خدمة التعليم المفتوح المصدر منذ بضعة سنوات، ويهدف المشروع كما يقول أستاذ العلوم الهندسية في المعهد: "الفكرة بسيطة، وهي نشر المواد التعليمية على شبكة الإنترنت، واتاحتها للجميع"، ويزور موقع المشروع أكثر من 200 مليون شخص ليتصفحو أكثر من 2300 مقرر بدون أي مبالغ مالية.
رابط المشروع: http://ocw.mit.edu/courses/